العفو الملكي.. حين تنتصر الإنسانية على صرامة النص
يعود موضوع العفو الملكي ليفرض نفسه بقوة في كل مناسبة دينية أو وطنية، باعتباره مبادرة إنسانية ذات أبعاد اجتماعية وروحية عميقة، تهم المستفيدين وأسرهم والمجتمع بصفة عامة. حيث دأب جلالة الملك محمد السادس، أسوة بباقي ملوك المغرب، على تخصيص عفو ملكي لفائدة عدد من المحكوم عليهم، يجسد قيم التسامح وإعادة الإدماج. وفي هذا الإطار، وجب على الإعلاميين والحقوقيين والخبراء والباحثين التفاعل الجاد مع موضوع العفو الملكي، من خلال مناقشة قيمته الأخلاقية والتربوية والإنسانية، وتبيان أهدافه ومزاياه وانعكاساته الإيجابية على المستفيدين وأسرهم وعلى المجتمع ككل.
ففي هذا السياق، كعادته أصدر جلالة الملك، بمناسبة عيد الفطر، عفواً ملكياً سامياً شمل ما مجموعه 1201 شخصاً، من بينهم معتقلون وأشخاص في حالة سراح، محكوم عليهم من طرف مختلف محاكم المملكة.
وقد همّ العفو 1182 مستفيداً أساسياً، من بينهم 1063 نزيلاً بالمؤسسات السجنية (17 عفواً كاملاً، 1045 تخفيضاً للعقوبة، وتحويل حالة واحدة من السجن المؤبد إلى عقوبة محددة)، و119 شخصاً في حالة سراح، توزعت استفادتهم بين العفو من العقوبات الحبسية أو الغرامات أو كليهما.
كما شمل العفو 19 شخصاً مدانين في قضايا التطرف والإرهاب، بعد إعلانهم مراجعة مواقفهم الفكرية ونبذهم للتطرف، حيث استفاد 4 منهم من العفو الكامل، و15 من تخفيض العقوبة، في خطوة تعكس تشجيع الدولة لمسارات المراجعة الفكرية وإعادة الإدماج.
العفو الملكي ليس مجرد إجراء بروتوكولي وليس إلغاءً للعدالة
ليس العفو الملكي مجرد إجراء بروتوكولي يتكرر في المناسبات الدينية والوطنية، ولا هو حدث عابر يمر في نشرات الأخبار دون أثر يُذكر، بل هو لحظة إنسانية عميقة تختزل فلسفة الحكم في بعدها النبيل، وتكشف عن جوهر العلاقة التي تربط المؤسسة الملكية بالمجتمع. لحظة تتجاوز منطق القانون الصارم إلى أفق أرحب، حيث تتدخل القيم، ويعلو صوت الرحمة فوق ضجيج النصوص.
العفو الملكي، في جوهره، ليس إلغاءً للعدالة، ولا تراجعًا عنها، بل هو استدراك إنساني داخل منظومة بشرية بطبيعتها غير معصومة من الخطأ. فالقضاء، رغم استقلاليته، يظل مجالًا بشريًا تتداخل فيه التقديرات والاجتهادات، وقد تصيب أحكامه كما قد تخطئ. وهنا، يبرز العفو كصمام أمان أخلاقي، يعيد التوازن بين صرامة القانون ومرونة العدالة، بين النص وروحه، بين الحكم وما قد يترتب عنه من آثار اجتماعية وإنسانية.
وإذا كان البعض يخلط بين العفو والبراءة، فإن الفرق بينهما جوهري. العفو لا يمحو الفعل ولا يلغي الحكم، بل يمنح فرصة جديدة، يفتح بابًا كان موصدًا، ويقول للمخطئ: “ما زال أمامك طريق للعودة”. إنه إعلان ثقة في قدرة الإنسان على التغيير، وإيمان بأن الخطأ ليس نهاية المطاف، بل قد يكون بداية لصحوة حقيقية.
في سياق عيد الفطر، حيث تتجلى معاني الصفح والتسامح، يكتسب العفو الملكي بعدًا رمزيًا مضاعفًا. فهو لا يحرر فقط أجسادًا من قيود السجن، بل يحرر نفوسًا من ثقل الماضي، ويعيد الأمل إلى أسر أنهكها الانتظار. إنه فرحة لا تُقاس بعدد المستفيدين، بل بعمق الأثر الذي تتركه في النسيج الاجتماعي، حيث تتحول المأساة إلى فرصة، والعقوبة إلى بداية جديدة.
العفو الملكي .. مجموعة رسائل
غير أن العفو الملكي، في عمقه، ليس رسالة موجهة فقط إلى المستفيدين منه، بل هي رسائل موجهة إلى كل مكونات المنظومة القضائية ومعها المجتمع المدني . هو تذكير صامت بضرورة التحلي بأقصى درجات النزاهة، واستحضار البعد الإنساني في كل ملف، لأن وراء كل قضية حياة كاملة، وأسرة، ومستقبل قد يتشكل أو يتكسر بقرار قضائي. وهو أيضًا دعوة للمجتمع كي لا يحاكم المعفى عنهم مرتين: مرة بالقانون، ومرة بنظرة الإقصاء.
ثم إن العفو الملكي يطرح، بشكل غير مباشر، أسئلة كبرى على الإعلام والنخب الفكرية والسياسية. لماذا لا يتحول إلى موضوع نقاش عمومي جاد؟ لماذا لا تتم مواكبة قصص المستفيدين بعد الإفراج عنهم؟ ولماذا لا يُستثمر هذا الحدث في ترسيخ ثقافة الأمل وإعادة الإدماج بدل الاكتفاء بتعداد الأرقام؟
الحقيقة أن العفو الملكي ليس فقط قرارًا سياديًا، بل مدرسة في الحكامة الإنسانية. يجسد فكرة أن الدولة ليست فقط مؤسسات وقوانين، بل هي أيضًا ضمير حي، قادر على الموازنة بين الحق والرحمة. وهو في الآن ذاته تعبير عن بعد أبوي في القيادة، حيث لا يُنظر إلى المواطن كرقم في ملف، بل كإنسان قابل للخطأ وقابل للإصلاح.
في زمن تتزايد فيه القسوة في العلاقات الدولية، وتضيق فيه مساحات الرحمة داخل المجتمعات، يظل العفو الملكي رسالة مغربية خالصة مفادها أن العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بالإنسانية، وأن قوة الدولة لا تقاس فقط بصرامة قوانينها، بل بقدرتها على التسامح حين يكون التسامح في محله.
العفو الملكي، إذن، ليس نهاية حكاية… بل بدايتها





هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟